أحمد مصطفى المراغي

7

تفسير المراغي

لمن سأله أيترك ناقته سائبة ويتوكل على اللّه ؟ « اعقلها وتوكل » رواه الترمذي ، وقال تعالى مخاطبا رسوله بعد أن أمره بمشورة أصحابه في غزوة أحد : « فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » وإنما يكون العزم بعد الأخذ بالأسباب فقد لبس من يومئذ درعين وأعدّ العدة لقتال أعدائه ، ورتب الجيوش بحسب القوانين المعروفة في ذلك العصر . وخلاصة رد شعيب على الملأ من قومه - إنه عجب من تهديدهم وإنذارهم ، وأقام الأدلة على امتناع عودهم إلى ملة الكفر باختيارهم ، وعدم استطاعة أحد إجبارهم عليه غير اللّه الفعال لما يريد . ثم ثنى بذكر توكله على اللّه الذي يكفى من توكل عليه ما أهمّه مما هو فوق كسبه واختياره ، ثم ثلث بالدعاء الذي لا يكون مرجو الإجابة إلا بعد القيام بعمل ما في الطاقة من الأعمال الكسبية مع التوكل على اللّه فقال : ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) الفتح إزالة الأغلاق والأشكال ، وهو قسمان : حسى يدرك بالبصر كفتح العين والقفل والكلام الذي يكون من القاضي ، ومعنوي يدرك بالبصيرة كفتح أبواب الرزق والمغلق من مسائل العلم والنصر في وقائع الحرب والمبهم من قضايا الحكم ، ويقال فتح اللّه عليه إذا جدّ وأقبلت عليه الدنيا ، وفتح اللّه عليه : نصره ، وفتح الحاكم بينهم وما أحسن فتاحته أي حكمه كما قال شاعرهم : ألا أبلغ بنى وهب رسولا * بأنى عن فتاحتهم غنىّ ويقال بينهم فتاحات أي خصومات ، وولى الفتاحة أي القضاء ، وعن ابن عباس : ما كنت أدرى ما قوله تعالى : « رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا » حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعالى أفاتحك ، وقالت أعرابية لزوجها : بيني وبينك الفتاح . والمعنى - ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق الذي مضت به سنتك في التنازع بين المرسلين والكافرين ، وبين المحقين والمبطلين ، وأنت خير الحاكمين لإحاطة علمك بما يقع به التخاصم ، وتنزهك عن اتباع الظلم ، واتباع الهوى في الحكم .